محمد خالد ضياء الصديقي الندوي
( الباحث الشرعي بمركز الإمام البخاري للبحوث والدراسات الإسلامية، عليجراه، الهند)
إن الأمة الإسلامية في جميع مشارق الأرض ومغاربها تمر في هذه الآونة بأسوء مرحلة من مراحله التاريخية، ولم تلق خلال تاريخها الطويل من الأزمات، والمحن والشدائد ماتلقاه اليوم، كأن الأمم تداعت عليها تداعي الأكلة على القصعة، وكأن أعداء الإسلام مجمعون على القضاء على كيان الأمة الإسلامية قضاءً تامًا لا يُبقي لها عينًا ولا أثرًا.
إن المتابع لتاريخ الأمة الإسلامية يقع في حيرة واندهاش، وفي قلق واضطراب حينما يشاهد بأم عينه الوضع الحالي المتردي للأمة........ حينما يدرس التاريخ يجد الأمة في رأس القافلة البشرية ومطلعها، يجدها تحكم الدنيا، وتبني المجد، وتقود الحضارة، وتعلم البشرية ......... يجدها تقتبس منها أوربا العلم، والتجربة، والحضارة والثقافة، حتى النظافة
ويعود ثم ينظر في الأمة الإسلامية اليوم، فيجد أنها ضعيفة ذليلة، مهانة منهارة، محكومة مغلوبة........ ينظر فيجدها في مؤخرة القافلة وذيلها، ودرجة شديدة من التخلف والانهيار، والحضيض والسقوط، والانكماش والتقلص ، كأنها سقطت من القمة إلى القاع ....... ينظر فيرى الأعداءَ عليها سوط عذاب يصبّون، والأذلاّءَ عليها يتعزّزون، والجبناءَ يتجرّأون، والضعفاءَ يستقْوُون، والبِغثان يستنسرون. (۱)
فلماذا صارت الأمة إلى ما صارت؟ وبلغت من الضعف والهوان ما بلغت؟ وأصبحت مضغة في أفواه الأمم؟........... هذا سؤال مهم خطير، ولكن الجواب عنه يسيرقصير، واضح مكشوف، بيّن لا غموض فيه ولاالتواء، وهو أن الأمة الإسلامية تحمِل ــ في الماضي ــ حقيقةَ الإسلام، بينما الأمة الإسلامية ــ اليوم ــ تُمثّل صورةَ الإسلام، و الفرق بين الصورة والحقيقة فرق واضح ملموس، يلمسه كل من له عقل ولب....... أنظروا في التاريخ تجدوا صدق ماقلت ...... اقرأوا ماقاله العلامة الدكتور/ يوسف القرضاوي حفظه الله بكل صراحة وقوة :
*إذا نظرنا في التاريخ الإسلامي، في الامتداد والانكماش، في المد والجزر، في النصر والهزيمة، في القوة والضعف، وجدنا أننا ننتصر ونقوى، ونعتز ونسود، ويعمنا الرخاء والازدهار حين نقترب من الإسلام، ونتمسك به، ونضعف ونذل ونُهزَم، يوم نبتعد عن الإسلام ....... أنظر أيام الراشدين! ........ أنظر أيام عمربن عبد العزيز! ....... أنظر أيام الرشيد والمأمون! ......... أنظر أيام نورالدين محمود وصلاح الدين الأيوبي! ....... كلما وجدت اقترابًا من الإسلام الحقيقي، وجدت القوة والنهضة، والازدهار والعزة والنصر، حتى إذاتركْنا الإسلام، ترَكَنا اللهُ عزوجل، ووكّلَنا إلى أنفسنا، وإذا وكّل الله امرءًا إلى نفسه، فهيهات أن يتحقق له نصر، أويتحقق له سيادة .
لقد وضع الشيخ ــ يحفظه الله لدينه طويلًا ــ يده موضع الداء، وأصاب مكمن الضعف فلم يخطئْ ....... والله إن سرّقوةِ المسلمين وعظَمتِهم يكمن في التمسك بالإسلام الحقيقي، وإن سرً انحطاطهم يكمن في تمثيلهم للإسلام الصوري، والإسلام الصوري لايأتي بنصر الله، ولايتحقق معه الانتصار والغلبة، والقوة والعزة، ولا يبلغ بصاحبه القمة والذروة ....... هذا ماأدركه الأعداء، وتوصّلوا إليه بعد دراسات موسعة وتجارب طويلة، ونحن في غمرتنا ساهون، وفي سكرتنا لاهون ...... فقد جاء في صحيفة من صحف اليهود ــ الذين هم المسيطرون في العالم والراسمون سياسته اليوم ــ مقالاً جاءفيه :
إن على وسائل إعلامنا أن لاتنسى حقيقةمهمة، هي جزء من استراتيجية إسرائيل في حربها مع العرب، وهي أننا قد نجحنا بجهودنا وجهود أصدقائنا في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب طوال الثلاثين عامًا، ويجب أن يبقى الإسلام بعيدا عن المعركة إلى الأبد، ولذا يجب ألا نغفل لحظةً واحدةً عن تنفيذ خطتنا في منع استيقاظ الروح الإسلامية بأي شكل وبأي أسلوب.
نرى أن الأعداء ناجحون في هذاالتخطيط الخبيث، ونحن لا نزال في الأمنية المعسولة : *نحن أبناء الله وأحباءه* ـــــ أليس من الحقيقة أننا أصبحنا نرى أن الله معنا دائماً وأن نصرالله لآت قريب لامحالة، سواء كانت أعمالنا مرفوضة غير مرفوعة إلى الله، و سواء كانت نفوسنا فارغةً من الأهداف السامية، والغايات الشريفة التي من أجلها خلقنا وبعثنا إلى هذالكون؟
تفكروا كيف يأتينا النصر وفينا الفواحش والمنكرات؟ ...... كيف يأتينا النصر ونحن ممزقين شرممزق؟ ........ ولماذا ننتظر نصراً من الله وفتحًا قريبًا ونحن لانزال في مرحلة الغثائية، ولم نحاول بعدُ للخروج منها إلى مرحلة التأسيس والبناء؟ ........ ولماذا لم يسلّط الله علينا من الحكام من لايرحموننا، ونحن لانجد فينا حصناً منيعاً من الإيمان والعقيدة، وبنياناً متراصًّا من الأخوة والرابطة؟ ......... وكيف نرجو من الله النصر والتمكين ونحن نعيش بدون رسالة الإسلام إلى البشرية؟ ..... والأمة التي تعيش بغير رسالة كيف تنتصر وأنَّى يتحقق له النصر؟!
فالذي نراه اليوم من قتل أبناء الإسلام وذبحهم، وتنكيلهم وتعذيبهم بأبشع أشكال وأفظع أنواع في كل مكان ، والذي نراه في بلادنا من قوة الحزب الحاكم الظالمة ضد الأقلية والمسلمين بصفة خاصة، ليس ذلك إلا عقابًا من الله وسوطًا من عذابه، وذلك لتجردّنا عن الدين الإسلامي الحقيقي، والمبادئ الخلقية النبيلة، وقعودِنا عن القيام بالمسؤليات والواجبات التي ألقاها الله سبحانه وتعالى على كواهلنا كخير أمة .
ألم يأن لنا أن نثبت وجودنا وأن نميز صديقنا من عدونا، وأن ننظم أنفسنا؟ .... أماآن لنا أن ننفض غبار النوم، وأن نعرف أنفسنا، وأن نكشف ذاتنا؟ نحن مسلمون قبل كل شيء، نحن بالإسلام كل شيء، وبغير الإسلام لاشيء، نحن لانريد اعتداء على أحد، إنما نريد أن نعيش مسلمين ونموت مسلمين، ولانريد لأحد أن يمنعنا من هذه الحقيقة، لانقبل من أحد أبدا أن يقول لنا: " عيشوا بغير الإسلام، لانقبل هذا من حاكم، ولانقبل هذا من محكوم، ولا نقبل هذا من أحد في الداخل أوفي الخارج".* (۲)
فبمثل هذه الظروف الخطرة وخاصة في بلادنا ــ التي اعتلت عرشها، بل داست كرامته ـ إذاصح التعبير ـ طائفة تتعصب لديانتها وفكرتها إلى أقصى الحد، وتريد أن تَفرض ديانتهاالوثنية وحضارتها اللامذهبية على المسلمين قسراً وبقوة ظالمة ــ يجب على المسلمين أن ينيبوا إلى الله إنابةً صادقةً، ويتوبواإليه توبةً نصوحاً، ويبلغوا رسالة الإسلام السمحة العادلة إلى مواطني البلاد من غير المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن ينسوا جميع الخلافات الجانبيّة الحزبية، والمذهبية والفكرية، وأن يهتموا بقضاياالأمة الكبرى بحيث " *لاتشغلهم الفروع عن الأصول، والجزئيات عن الكليات، والشكل عن الجوهر، والأطراف عن القلب، والمختلف فيه عن المتفق عليه* ". (۳)
وإذا لم نفعل ذلك فليس لنا أن ننتظر نصراً من الله، بل يجب أن ننتظر أسوأ ما نمربه .
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
(۱) تعبیرات منها مقتبسة ـ بتعديل يسيرـ من خطب الشيخ القرضاوي .
(۲) بين المزدوجين عبارة القرضاوي بأدنى تصرف.
(۳) بين المزدوجين عبارة القرضاوي.